علي بن محمد البغدادي الماوردي
357
أدب الدنيا والدين
فكم من لقمة منعت أخاها * بلذة ساعة أكلات دهر وكم من طالب يسعى لأمر * وفيه هلاكه ولو كان يدري وقال آخر كم دخلت أكلة حشا شره * فأخرجت روحه من الجسد لا بارك اللّه في الطعام إذا * كان هلاك النفوس في المعد ورب أكلة هاضت « 1 » الآكل وحرمته مآكل . روى أبو يزيد المدني عن عبد الرحمن بن المرقع قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إن اللّه لم يخلق وعاء مليء شرا من بطن فإن كان لا بدّ فاعلا فاجعلوا ثلثا للطعام وثلثا للشراب وثلثا للريح . وأما النوع الثاني وهو شهوة الأشياء اللذيذة ومنازعة النفوس إلى طلب الأنواع الشهية فمذاهب الناس في تمكين النفس منها مختلفة فمنهم من يرى أن صرف النفس عنها أولى وقهرها عن اتباع شهواتها أحرى ليذل له قيادها ويهون عليه عنادها لأن تمكينها وما تهوى بطر يطغي وأشر يردي لأن شهواتها غير متناهية فإذا أعطاها المراد من شهوات وقتها تعدتها إلى شهوات قد استحدثتها فيصير الإنسان أسير شهوات لا تنقضي وعبد هوى لا ينتهي ومن كان بهذه الحال لم يرج له صلاح ولم يوجد فيه فضل . وأنشدت لأبي الفتح البستي : يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته * لتطلب الربح مما فيه خسران أقبل على النفس واستكمل فضائلها * فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان وللحذر من هذه الحال ما حكي أن أبا « 2 » حزم رحمه اللّه كان يمرّ على الفاكهة فيشتهيها فيقول موعدك الجنة . وقال آخر تمكين النفس من لذاتها أولى وإعطاؤها ما اشتهت من المباحات أحرى لما فيه من ارتياح النفس بنيل شهواتها ونشاطها بإدراك لذاتها فتنحسر عنها ذلة المقهور وبلادة المجبور ولا تقصر عن درك ولا تعصي في نهضة ولا تكل عن استعانة . وقال آخرون بل توسط الأمرين أولى لأن في إعطائها كل شهواتها بلادة والنفس البليدة
--> ( 1 ) هاضت : أضعفت ، وأدخلت عليه هيضة ، وهي القيء والاسهال . ( 2 ) أبا حازم . الأعرج .